ابن عربي
124
فصوص الحكم
القرب من الله ، والآخرون حاصلون في عين البعد عنه . وليس للجنة ولا لجهنم معنى عنده إلا ذاك . فإنه يعرف جهنم بأنها البعد الذي يتوهمه الإنسان بينه وبين الحق . وفي جهنم عذاب أليم وذل عظيم هما عذاب الحجاب وذله ، ولكن مآل أهل جهنم إلى النعيم كما قلنا من قبل لأنهم يحصلون بعد فترة من عذاب البعد في عين القرب من الله . قارن الأبيات الواردة في آخر الفص السابع والتعليق الحادي عشر عليها . ( 7 ) « فهو حق مشهود في خلق متوهم » . تحتمل هذه العبارة أحد المعنيين الآتيين : الأول أن العبد أو أي ممكن من الممكنات هو الحق المرئي في الصور ، وأن الصور لا وجود لها في ذاتها : فكل من أثبت لها وجوداً مستقلًا عن وجود الحق فقد وهم . الثاني أن العبد أو أي ممكن من الممكنات هو الحق الذي ينكشف للصوفي في شهوده . أما الصور التي يدركها الحس فهي صور متوهمة لا وجود لها في ذاتها . وليس هناك كبير فرق بين المعنيين بدليل أنه يجملهما معاً في قوله بعد ذلك مباشرة « فالخلق معقول والحق محسوس مشهود عند المؤمنين وأهل الكشف والوجود » فينكر وجود الخلق إلا في صورة عقلية متوهمة ، ويثبت وجود الحق وجوداً محسوساً مشهوداً : أي وجوداً يقربه الحس والذوق معاً . والوجود الوارد في قوله : « أهل الكشف والوجود » اسم يستعمله الصوفية مرادفاً لكلمة الفناء : أي فناء الصفات البشرية وبقاء الصفات الإلهية : فهو الحال الذي لا يشاهد فيه الصوفي إلا الوجود الحقيقي الذي هو وجود الحق . وليس الوجد الصوفي إلا مقدمة لحالة الوجود هذه . راجع القشيري في الرسالة ص 34 وتعريفات الجرجاني ص 171 . ( 8 ) « وبقيت على هياكلهم الحياة الخاصة بهم من الحق التي تنطق بها الجلود والأيدي والأرجل وعذبات الأسواط والأفخاذ » :